كريم نجيب الأغر
383
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - جنينها بدء من وقت تخصيب البويضة ( والتي يشعر ، عند وفائها ، خمس وسبعون بالمائة من النساء الحوامل بحركة جنينهن ) ، وقدرها أربعة أشهر وعشر . فأربعة أشهر تعطينا 5 ، 118 يوما ، وإضافة عشرة عليها تعطينا 5 ، 128 يوما . وتقسيم هذا العدد إلى عددين مختلفين ، أحدهما أساسي يتّفق مع متوسط مدّة إحساس المرأة الحامل بحركة جنينها ، والآخر فرعي يتّفق مع المدّة الغالبة لإحساس المرأة الحامل بحركة جنينها ، هو الدليل الساطع ، على أن القائل لهذه الآية يعلم تمام العلم أن احتمال إحساس المرأة بحركات الجنين يتّبع نظاما حسابيا للتوزيع مع متوسّط مقداره 119 يوما وانحراف قياسي مقداره 15 يوما . وبفضل هذا الأسلوب المتّبع في الآية الكريمة - المعهود عند العرب عهد الاحتجاج - استطاع علماء تفسير القرآن الكريم فهم أن الغرض من تقسيم العدد 129 إلى عددين متلاصقين يتّبع أحدهما ( العشرة أيام ) الآخر ( الأشهر الأربعة ) هو لاحتياط المرأة في إحساس حركة جنينها كما جاء في البحر المحيط ، ج 2 / ص 225 : « . . . وزاد اللّه العشر لأنها مظنة لظهور حركة الجنين ، أو مراعاة لنقص الشهور وكمالها ، أو استظهارا لسرعة ظهور الحركة أو بطئها في الجنين » ، وكما جاء في تفسير الألوسي ، ج 2 / ص 149 : « وزيد عليه العشرة استظهارا إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا يحس بها » . ومما ساعد العلماء على فهم الآية على هذا النحو ، هو أن عليهم أن يرتكزوا - إضافة إلى التقسيم المعهود لدى العرب - على قاعدة مراعاة النظير ، أو ما يعرف بالتناسب ، أو الائتلاف والتوفيق ، وتعريفه : « أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه ، لا بالتضاد » ( بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح ، لعبد المتعال الصعيدي ، ج 4 / ص 16 ، وانظر عروس الأفراح ، للسبكي ، ج 4 / ص 337 ) . والعرب حريصون على أن يلتزموا بهذه القاعدة ، فعلى سبيل المثال : « اجتمع الكميت مع بعض الشعراء ، وأنشدهم قصيدة منها : أم هل ظعائن بالعلياء نافعة * وإن تكامل فيها الأنس والشنب ( والشنب هو : عذوبة في الأسنان ، ونقاط بيض فيها ) . عقد نصيب واحدة ( أي أحصى خطأ ) . فقال له الكميت : ما ذا تحصي ؟ قال خطؤك ، باعدت في القول ! ما الأنس من الشنب ؟ . فنصيب ينقد معنى في بيت الكميت ، لأنه قد جمع بين أمرين لا يجتمعان في الخارج ، ولا في الذهن ، أو لم يأت بما سماه المحدثون فيما بعد : مراعاة النظير » . ( تاريخ الأدب العربي عند العرب ، للأستاذ طه أحمد إبراهيم ، ص 41 ) . وقد حرص علماء تفسير القرآن الكريم أيضا على أن يلتزموا بهذه القاعدة ، فنرى الزمخشري - رحمه اللّه - على سبيل المثال يحدثنا في تفسيره للنص القرآني : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) [ الرحمن : 5 - 6 ] عن هذه القاعدة ( ج 4 / ص 43 - 44 ) ، فيقول : « النجم النبات الذي ينجم من الأرض ، لا ساق له كالبقول ، والشجر الذي له ساق . . . » ، ثم قال : « فإن قلت : أي تناسب بين هاتين الجملتين حتّى وسّط بينهما العاطف ؟ قلت : إن الشمس والقمر سماويان ، والنجم والشجر أرضيان ، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل » . فهذه القاعدة تملي عليهم أن يفسّروا العشرة أيام على ضوء الأشهر الأربعة المذكورة قبلها ، وبالتالي -